محمد بن جرير الطبري
171
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يحيى بن يمان وحميد بن عبد الرحمن ، عن قيس بن الربيع ، عن سماك ، عن عكرمة : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ قال : هي لمن هاجر إلى المدينة . وأولى القولين بالصحة في ذلك ، ما صح به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو الخبر الذي رواه ابن مسعود عنه أنه قال : " الظلم الذي ذكره الله تعالى في هذا الموضع هو الشرك " . وأما قوله : أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ فإنه يعني : هؤلاء الذين آمنوا ولم يخلطوا إيمانهم بشرك ، لهم الأمن يوم القيامة من عذاب الله ، وَهُمْ مُهْتَدُونَ يقول : وهم المصيبون سبيل الرشاد والسالكون طريق النجاة . القول في تأويل قوله تعالى : وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ يعني تعالى ذكره بقوله : وَتِلْكَ حُجَّتُنا قول إبراهيم لمخاصميه من قومه المشركين : أي الفريقين أحق بالأمن ، أمن يعبد ربا واحدا مخلصا له الدين والعبادة أم من يعبد أربابا كثيرة ؟ وإجابتهم إياه بقولهم : بل من يعبد ربا واحدا أحق بالأمن ؛ وقضاؤهم له على أنفسهم ، فكان في ذلك قطع عذرهم وانقطاع حجتهم واستعلاء حجة إبراهيم عليهم ، فهي الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه ؛ كالذي : حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا سفيان الثوري ، عن رجل ، عن مجاهد : وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ قال : هي الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا يحيى بن زكريا ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قال : قال إبراهيم حين سأل : أي الفريقين أحق بالأمن ؟ قال : هي حجة إبراهيم . وقوله : آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ يقول : لقناها إبراهيم وبصرناه إياها وعرفناه على قومه . نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء الحجاز والبصرة : نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ بإضافة الدرجات إلى من ، بمعنى : نرفع الدرجات لمن نشاء . وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ بتنوين " الدرجات " ، بمعنى نرفع من نشاء درجات . والدرجات : جمع درجة وهي المرتبة ، وأصل ذلك مراقي السلم ودرجه ، ثم تستعمل في ارتفاع المنازل والمراتب . والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : هما قراءتان قد قرأ بكل واحدة منهما أئمة من القراء متقارب معناهما ؛ وذلك أن من رفعت درجته فقد رفع في الدرج . ومن رفع في الدرج فقد رفعت درجته ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب في ذلك . فمعنى الكلام إذن : وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه فرفعنا بها درجته عليهم وشرفناه بها عليهم في الدنيا والآخرة ؛ فأما في الدنيا فآتيناه فيها أجره ، وأما في الآخرة فهو من الصالحين ، نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ أي بما فعل من ذلك وغيره . وأما قوله : إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ فإنه يعني : إن ربك يا محمد حكيم في سياسته خلقه وتلقينه أنبياءه الحجج على أممهم المكذبة لهم الجاحدة توحيد ربهم ، وفي غير ذلك من تدبيره ، عليم بما يؤول إليه أمر رسله ، والمرسل إليهم من ثبات الأمم على تكذيبهم إياهم وهلاكهم على ذلك وإنابتهم وتوبتهم منه بتوحيد الله تعالى وتصديق رسله والرجوع إلى طاعته ، يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : تأس يا محمد في نفسك وقومك المكذبيك والمشركين بأبيك خليلي إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، واصبر على ما ينوبك منهم صبره ، فإني بالذي يؤول إليه أمرك وأمرهم عالم التدبير فيك